بقلم : ذ .حسن المعنقش
التخصص، حسب منطق الوزيرة، مطلوب للحقيقة التاريخية، لكنه مرفوض للحقيقة الشرعية! وليجتهد في الدين لنصرة الخطة الأدعياء! فوا إسلاماه! 3- قولها عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بأنها تكون « عقارا موثقا ومحفظا وبامتياز باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأن الفصائل المتنورة التي توهم بالتعددية والتعايش في نهاية المطاف ركائز تحصين تيار حزبي (داخل الاتحاد الاشتراكي) في هذه الحظيرة المحفظة» ( ص 66). 4- قولها عن الحزب في علاقته بالأممية الاشتراكية أنه « لأول مرة يدرج خطاب الضفة الأخرى داخل القطاع النسائي الاتحادي...» ( ص 54) كما مر، وأنه، داخل الحزب، « يتم الاقتصار على ما هو وارد في مرجعيات الآخر من أجل استنباط شفوي: ( شعارات) في أغلبها فضفاضة وعامة» ( ص 73)، وصاحبة هذا الكلام ليست « متطرفة» أو « ظلامية» والحمد لله! إلا أن الكتاب لم يسلم هو الآخر من منزلقات: فالكاتبة تنقل بالصفحة 22 مثلا عن مجلة « باحثات»11 نصا من مقال لشفيق المصري يتكلم فيه عن المادتين 7 و8 من « اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة» لسنة 1979، لكنها تنسبهما للاتفاقية الدولية الملزمة بتاريخ 1952. ثم هي تؤاخذ على التقرير الإيديولوجي (1975 أن خطابه يقتصر « على الجمع المذكر دون الإشارة إلى المؤنث» ( ص25). فهل من الضروري مثلا، إذا ما ذكر أن المؤتمر هو « مؤتمر المناضلين، الأوفياء كلهم» أن يذكر أيضا أنه « مؤتمر المناضلات الوفيات كلهن» ؟ ألا يكون في قاعدة التغليب كفاية؟ أقول هذا الكلام على خلفية وجود من يطالب بتأنيث اللغة العربية باعتبارها ـ في نظره ـ لغة ذكورية تهمل المرأة، لدرجة أن الشاعرة الأردنية زليخة أبو ريشة طالبت « بإلغاء القواعد التي تتبنى لغة التغليب، لغة الذكور، ليعتاد الذكور على خطاب المؤنث ويشعروا بالقلق الفعلي الذي تشعر به المرأة عندما تخاطب بخطاب المذكر»12 فهل الكاتبة تنحو هذا المنحى في التعامل مع اللغة ؟ إن للأمر خطورته، عندما نعلم أن الخطاب القرآني للمرأة والرجل جرى على قاعدة التغليب، وإلا لكان للمرأة المسلمة أن تمتنع عن الصـلاة والزكاة لأن الآيـة تقـول: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» (البقرة: 109)، وعن الصيام لأن الخطاب في الآية جاء بصيغـة «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام» ( البقرة : 182) ولم يأت بصيغة « يا أيتها اللائي آمن ...» . هذه القاعدة، قاعدة التغليب، لم تثر أدنى مشكلة في لغات أخرى كالفرنسية مثلا، لكنها تثيرها إذا تعلق الأمر بلغتنا وعند بعض بنات جلدتنا!فهل الكاتبة تروم « تأنيث» اللغة؟ ونلاحظ أن الكاتبة، وهي تنعت فكرة مخالفيها في المرجعية بالظلامية ( وهو ما نتجاوزه باعتباره غير خليق بالمناقشة)، فإنها لا يعجبها التزام الطالبات بالزي الشرعي، فيصدر عنها ما لا نجد له مثيلا إلا عند غلاة العلمانيين، إذ تقول: « ... انقلب كـل شيء لكي يصبح الحجاب المتمثل في الجلباب والخرقة شيئا عاديا، مقابل تأثيث الفضاء الجامعي بكائنات غريبة تتحرك داخل خيمات متنقلة» ( ص 37)! إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الكلام أن الكاتبة تعتبر أن كل شيء انقلب، لكنها لا تذكر ـ في هذا الكل الذي انقلب ـ إلا الحجاب! وكأن مشاكل الجامعة المغربية، على كثرتها الواضحة للعيان، أصبحت لا تساوي شيئا أمام « أم المشاكل»: الحجاب! إنه، لدى الكاتبة، منطق « طاحت الصمعة علقوا الحجاب »! أو هو ـ تبعا لأطروحة الكتاب ـ منطق «طاحت سمعة الحزب، علقوا المحتجبات»! مع أن كتاب الله عز وجل يقول: «يا أيها النبيء قـل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنيـن عليهن من جلابيبهن...» (الأحزاب:59). أخرج البخاري عن حفصة قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف فحدثت عن أختها ـ وكان زوج أختها غزا مع النبي صلى الله عليه و سلم ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست ـ قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي صلى الله عليه و سلم : أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قال: « لتلبسها صاحبتها من جلبابها ولتشهد الخير ودعوة المسلمين»13. فالجلباب أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه و سلم للمؤمنات، وهو لباس التزمت به زوجات رسول الله صلى الله عليه و سلم وغيرهن من الصحابيات استجابة لذلك الأمر، فكيف يوصف بأنه « خيمات متنقلة» كما قالت الكاتبة؟ إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المرء أن ينقل موقفه من خصم سياسي إلى موقف من أغلى ما يشترك فيه مع ذلك الخصم : الدين. وهو ما يمكن أن يفهم من كلام الكاتبة. وفي نفس السياق، حينما تقابل الكاتبة بين الأممية الاشتراكية والاتحاد الاشتراكي تسجل « أن الأحزاب الغربية التي شكلت عماد هذه المؤسسة الاشتراكية اتجهت في بناء سلمها القيمي وتدعيم كيانها دون اعتماد على الدين... أما هنا فالسلم القيمي الاشتراكي عموما وكما هو الحال لـدى المـؤسسة الأممية لا يكفي، فسيف التكفير لهن بالمرصاد حين استغلال جماعات الهوس الديني للدين في المنابر والمساجد والمناسبات، فالتلويح به لكل المغربيات المسلمات والراغبات في الخروج من طوق الحريم من أجل انتزاع حقوق يضمنها الدين والإنسانية» ( ص 58). إن الكاتبة هنا لا تسير مع التحليل إلى نهايته، إذ تسكت عن أسئلة كثيرة يثيرها كلامها، من مثل: لماذا لم تعتمد الأحزاب الغربية على الدين في بناء سلمها القيمي؟ وهل الدين لدى الغربيين هو نفسه لدينا؟ وهل يضمن الدين لديهم حقوقا للمرأة مثلما يضمنه لدينا الدين لها، بشهادة الكاتبة في آخر كلامها؟... إن أي منصف يدرك أن الدين لدينا مكون أساسي في النظام الاجتماعي، تعبر عن ذلك مثلا الآية صراحة: «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله» ( الزخرف: 84). وعكسه، لدى النصارى، المقالة الإنجيلية: « إدفعوا، إذن، إلى القيصر ما لقيصر، وإلى الله ما لله»14. فهل يستوي دين ضمن للمرأة حقوقها، مع دين آخر يجعلها مثلا خاضعة للرجل في كل شيء: « أيتها النساء، إخضعن لأزواجكن كما تخضعن للرب، لأن الرجل رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة، وهو مخلص الكنسية وهي جسده. وكما تخضع الكنيسة للمسيح، فلتخضع النساء لأزواجهن في كل شيء»15. ولا يجوز لها أن تعلم أحدا : « على المرأة أن تتعلم بصمت وخضوع تام، ولا أجيز للمرأة أن تعلم ولا أن تتسلط على الرجل، بل عليها أن تلزم الهدوء»16، ويمنعها أن تتزوج بعد طلاقها: « من طلق امرأته وتزوج غيرها زنى عليها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت غيره زنت»17...؟ ثم إذا كان الدين يضمن حقوقا للمرأة، و « السلم القيمي الاشتراكي عموما لا يكفي»، فلماذا تتخذ الكاتبة المرجعية الإيديولوجية للحزب سابقا (الاشتراكية العلمية) معيارا لمحاكمة تصور الحزب للمسألة النسائية كما في قولها مثلا عن التقرير النسوي (1975): « لم تستطع الوثيقة الارتقاء بأفكار لكي تساير الفكر الاشتراكي عموما وما تبناه الحزب من خيارات وإجراءات آنذاك، مرجعيتها الاشتراكية العلمية» ( ص 33)؟ ومع ما سبق، فإننا لنرجو أن يكون الكتاب كما قالت صاحبته « نبراس تكسير أول حلقة من قيود المرأة» ( ص 05) عامة، واليسارية خاصة، بدءا بقيد « الحريم الحزبي» أخطر قيد ذكره الكتاب!




